عمى جيوسياسي

Par
خليل الهاشمي الإدريسي

>>مسخرة استشفاء ابراهيم غالي، رئيس مفترض لجمهورية صحراوية وهمية، مثيرة على أكثر من صعيد.

إنه رئيس ضال، اختيرت له كنية عجيبة هي محمد بنبطوش، يعمل لحساب جنرالات جزائريين في طور الاحتضار، نفذ ما في جعبتهم من خيال و لفظتهم الساكنة ويتمسكون بحكم فاقد للمشروعية. هذا هو المشهد المثير للشفقة.

وستصل كوميديا "ديل آرتي" هذه (مسرح شعبي للارتجال الساذج باستخدام أقنعة) ذروتها عندما حطت الطائرة التي تقل رجل الجنرالات على الأراضي الإسبانية. الحكومة الإسبانية تضع خاتمها على المسخرة وتقبل بجواز السفر المزور، وتلغم بذلك العلاقات المغربية الإسبانية وترمي في الوحل بما لا يقل عن عقدين من التطبيع السياسي والاقتصادي والأمني.

نادرا ما شهدنا حكومة إسبانية بهذا المستوى من انعدام الكفاءة: فبحركة واحدة أحرقت عشرات الملفات، التي انكب عليها دبلوماسيو الجانبين، بجهد وصبر كبيرين، حافزهم في ذلك شراكة استراتيجية حقيقية. إنها موهبة خارقة فعلا؟

من المعروف أن العلاقات بين الدول تحكمها بشكل موضوعي المصالح وموازين القوة، ونحن بالتأكيد لا نعيش في عالم الدمى.

إذن لنسأل ما الذي تكسبه حكومة بدرو سانشيز من هذه الخطوة؟ لا شيء. فنظام الجنائز سيتواصل حتما في الجزائر العاصمة مدفوعا بحراك يزداد زخما. ثقل الغاز في ميزان  العلاقات الثنائية يتضاءل بفعل انخفاض الأسعار، وارتفاع العرض العالمي، وفوضى مؤسساتية، ونضوب تدريجي للاحتياطي الجزائري إضافة إلى الانتقال الطاقي.

النقطة الوحيدة التي تبرز كمحرك لهذه الطبخة السرية بين طرفين جمعتهما خيبات الأمل، هي رغبة البلدين في أن يظل المغرب في حالة حرب لانهاك ميزانيته بالجهد العسكري و في بتر أجزاء من ترابه التاريخي المشروع ومنازعة سيادته الوطنية على كامل أراضيه. هنا يبرز بشكل واضح، وهو ما يجعل أيضا عملية بنبطوش عملية غبية بالكامل، تقاطع حقيقي بين الجزائر وإسبانيا، وهو تقاطع قد يتسع من حين لآخر ليشمل بضعة بلدان أوروبية كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا مؤخرا.

وفي قضية بنبطوش بالتحديد، يبقى الربح الإسباني ضعيفا. إنه تحرك أخرق يضع قضاء البلاد في حرج وكذا مصداقية السلطة. إنه يؤجج الشعور الاستعماري الاسباني التعيس، وهو يئد القيم الأوروبية التي تؤكد شمولية حقوق الإنسان. وفي النهاية فإنه يقوض على المدى البعيد سياسة الجوار.

في الحقيقة، إن لعب ورقة الصحراء، وهي ورقة منتهية الصلاحية من بقايا الحرب الباردة، في وقت يعاد فيه توزيع الأوراق على الصعيد العالمي بفعل اخفاقات العولمة، والتبعات العالمية للأزمة الصحية المرتبطة بكوفيد - 19، ودخول إسرائيل المؤسساتي إلى الحلبة الإقليمية، والاهتمام الأمريكي المتزايد والمهيكل بإفريقيا التي كانت مجال نفوذ أوروبي خالص قبل وصول الصين، لعب ورقة الصحراء في ظل هذه المتغيرات، ينم فعلا عن مقاربة قصيرة النظر جدا هي أقرب إلى عمى جيوسياسي.

وبالتزامن مع كل هذا فإن البناء الإرادي والنهوض الاقتصادي في الصحراء المغربية مستمر بمعية شركاء أقوياء وموثوق بهم على المدى الطويل وبعمق استراتيجي. أين هم شركاؤنا التقليديون؟ إنهم عالقون في خيوط قضية بنبطوش أو غرقى في بحر حسابات قذرة وعقيمة تنتمي لزمن ولى. إنه وضع مؤسف.