رئيس جمعية المهندسين في الهندسة النووية: الطاقة النووية يجب أن تظل خيارا مفتوحا

Par
حسنى أفاينو
عبد المجيد الصاوي، خبير في الهندسة النووية
عبد المجيد الصاوي، خبير في الهندسة النووية. ومع
في إطار ملف حول الطاقة النووية بالمغرب كان لا بد من استقراء رأي وتقييم خبراء في المجال، يمكن أن يقدموا نظرة أخرى حول الموضوع بعيدا عن اعتبارات مؤسسية أو غيرها. ومن هذا المنطلق يأتي هذا الحديث مع عبد المجيد الصاوي، الخبير في الهندسة النووية، لتسليط الضوء على التجربة المغربية في المجال، والإكراهات التي تقف وراء بطء مخرجات مسار طويل من الخبرة والتأسيس الهيكلي.

BAB: هل آن الآوان لتصبح الطاقة النووية خيارا قائما ضمن الباقة الطاقية الوطنية؟

عبد المجيد الصاوي: قبل الإجابة المباشرة على السؤال، من المفيد تحديد السياق التاريخي للطاقة النووية في المغرب. في الواقع، بعد أزمة الطاقة الأولى عام 1973، أبدت بلادنا اهتماما بخيار الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء.

وهكذا، وبموجب قرار حكومي، أطلق المكتب الوطني للكهرباء في ثمانينيات القرن الماضي، "دراسة جدوى تقنية واقتصادية لاختيار موقع مناسب لإنشاء أول محطة للطاقة النووية". هذه الدراسة التي أنجزت بتعاون ومساعدة تقنية من فرنسا لم تستمر بسبب الأزمة الاقتصادية التي عانت منها البلاد خلال تلك الفترة، والتي أدت إلى تعليق المشاريع الاستثمارية الكبرى.

في عام 2009، دفعت أزمة الطاقة الجديدة المغرب إلى اعتماد "استراتيجية طاقية وطنية" جديدة على المدى الطويل، تم الإعلان عنها من قبل جلالة الملك، وأعلن فيها عن التوجهات الرئيسية للانتقال الطاقي.

مزيج الطاقة الموصى به، الذي اختار كأولوية المصادر البديلة منخفضة الكربون، استحضر الخيار النووي، لكنه كان مشروطًا بتبرير قدرته التنافسية من الناحية الاقتصادية والبيئية ومن حيث السلامة.

وفي هذا السياق، وبالتوازي مع إطلاق البرنامج الجريء للطاقات المتجددة والطاقة الشمسية والريحية، خلال عشرية 2010 - 2020، قام الوزير المكلف بالطاقة في عام 2009 بتشكيل لجنة تقنية للتفكير في خيار الطاقة النووية، تضم مختلف الإدارات والهيئات والمؤسسات المعنية، وتمت دعوة جمعية المهندسين في الهندسة النووية بالمغرب (AIGAM) للمشاركة فيها باعتبارها جمعية نشطة في هذا المجال.

مهمة هذه اللجنة هي تقييم شروط قابلية إعداد برنامج للطاقة النووية بحلول عام 2030 - 2040، واقتراح عناصر التأطير الوطني والدولي على الوزارة الوصية تحضيرا لقرار محتمل بهذا الشأن.

وشكلت أشغال هذه اللجنة موضوع تقييم خارجي، من قبل بعثة من خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في عام 2015، بناء على طلب من الوزارة. وأظهرت نتائج بعثة التقييم هذه، المنجزة على أساس مقاربة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للشروط التي يجب أن يفي بها بلد ما لتبني الخيار النووي، نقاط القوة وأوجه القصور التي يتعين على المغرب تجاوزها.

وهكذا، أصدرت البعثة توصيات بشأن الدراسات اللازم استكمالها بهدف اتخاذ قرارات آمنة ومستدامة خلال مرحلة التنفيذ.

وجوابا على سؤالكم، فإن جمعية "AIGAM" تلاحظ أن القضية النووية ليست على جدول الأعمال، لكنها توصي بشدة بإبقاء هذا الخيار مفتوحا ضمن مزيج الطاقة الوطني. 

المزيج الحالي قيد الإنشاء يتطلب أيضا تحديثا مستمرا، نظرا للمخاطر التقنو-اقتصادية لبرنامج الانتقال الطاقي الجاري، وكذلك من أجل مواكبة التوجهات المستقبلية للنموذج التنموي الجديد.

ماهي ايجابيات ومحاذير هذا الخيار؟ وما هي امتيازات المقارنة من حيث حجم الربح والخسارة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والصحي والبيئي..؟ 

لقد أثبت الخيار النووي جدواه في البلدان المتقدمة على الخصوص. وتقدم محطات الطاقة النووية، وفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، 10 في المائة من إنتاج الكهرباء في العالم بنسب تتراوح ما بين 20 و 70 في المائة في أوروبا و 20 في المائة في الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة النووية الرائدة في العالم التي تشغل حوالي مائة مفاعل للطاقه النووية.

وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية زيادة بنسبة 30 في المائة في الطاقة الإنتاجية النووية بحلول عام 2030 بل قد تتضاعف بحلول عام 2050.

وتعتبر الصين حاليا الدولة التي تبني أكبر عدد من المفاعلات في العالم، بحوالي عشرين مفاعلا عبارة عن مشاريع أو أوراش.

وفي ما يتعلق بربحية الطاقة النووية، فمن الضروري الإشارة أولا إلى التكلفة الاستثمارية المرتفعة للقطاع النووي، الذي يتطلب رأسمال ضخم للغاية، مما لا يشجع المانحين الدوليين على منح قروض تمويلية في هذا المجال. لكن مردوديتها على المستوى التقني تتميز باستقرار إنتاج الكهرباء عند قاعدة منحنى استهلاك البلاد.

أما مردوديته الاقتصادية، فتظهر في البلدان المتقدمة التي راكمت خبرة في مجال استغلال الطاقة النووية على مدى عدة عقود، والتي تتوفر على نسيج صناعي مندمج ومتكامل.

فضلا عن ذلك، أدى تمديد عمر محطات الطاقة في بعض القطاعات إلى 60 عاما إلى تحسين مردوديتها. هذا إلى جانب كون الشحن السنوي للوقود النووي، الذي يمثل نسبة متواضعة في تكلفة إنتاج كيلووات في الساعة، يسمح بالتحكم في التكاليف بعيدا عن تقلبات سوق المحروقات.

ومع ذلك، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار تنافسيتها الاقتصادية بالنسبة للبلدان الصاعدة من خلال رؤية تدمج عوامل أخرى ليست بالضرورة مالية، كالابتكار التكنولوجي، والتنمية الصناعية، وتثمين اليورانيوم الموجود في الفوسفاط، وبناء استقلالية طاقية بشكل تدريجي.

تثار في العالم موجات احتجاج ضد المفاعلات النووية لدواعي بيئية فهل الطاقة النووية نظيفة؟

في جوهرها، هي مصدر نظيف للطاقة ذات انبعاثات منخفضة جدا من الكربون، على اعتبار أن محطات الطاقة النووية لا تحرق الوقود الأحفوري.

ووفقا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن الطاقة النووية تمثل ثلث الكهرباء في العالم التي تنتج من مصادر منخفضة الكربون (الطاقة المائية، والطاقة الريحية، والطاقة الشمسية، والطاقة النووية).

وتبرز الطاقة النووية اليوم كخيار رئيسي لأي سياسة للانتقال الطاقي. وبالنسبة للمغرب، فإنها ستكون مكملا لبرنامج الطاقات المتجددة الجاري تنفيذه.

هل ترون أن المغرب يمضي قدما ضمن استراتيجية وطنية واضحة وبعيدة المدى في مجال الطاقة النووية؟

لقد تابعت جمعية المهندسين في الهندسة النووية (AIGAM)دائما وباهتمام سعي المملكة لبناء رؤية واستراتيجية طاقية متنوعة، لا سيما في ظل اعتماد بلادنا على الخارج لتغطية احتياجاتها الاستهلاكية من المحروقات وإنتاج الكهرباء.

إن خيار الطاقات المتجددة الجرئ الذي اتخذه المغرب بشكل استباقي، يستحق أن يدعم ويكمل بشكل واضح بباقة طاقية مفتوحة على مصادر أخرى للطاقة، مثل الطاقة النووية. هذه رؤية استراتيجية متكاملة، ينبغي بلورتها على أساس توقعات احتياجاتنا المستقبلية، وطبعا في ضوء النموذج التنموي الجديد.

لماذا لم يعتمد المغرب حتى الآن الطاقة النووية كمصدر لإنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر بالخصوص؟

تجدر الإشارة إلى أن المشروع النووي يتطلب، بالنسبة للدولة الراغبة في الانخراط في خيار الكهرنووي، تخطيطا يمتد على مدى اثني عشر إلى خمسة عشر عامًا، من مرحلة اتخاذ القرار حتى بدء تشغيل محطة الطاقة النووية.

إلى حدود اليوم، يمكن القول إن شروط وعناصر اتخاذ القرار، التقنو - اقتصادية على الأقل، التي توصي بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم يتم الوفاء بها كلها.

ومع ذلك، فإن بلدنا، الذي لا يزال في مرحلة دراسة جدوى الخيار النووي، عمل على تحديث الدراسات المتعلقة بالمشروع على المستويات التقنية والاقتصادية والتنظيمية، من خلال دراسة عدة عوامل منها: قدرة شبكة الكهرباء الوطنية على استقبال محطة طاقة نووية عالية الطاقة، وتقدير تكاليف إنتاج الكيلوواط في ساعة من الكهرباء النووية بحسب القطاعات الصناعية الموجودة في السوق، والقدرة على التنافسية الاقتصادية مقارنة بالمصادر الأخرى من الطاقة الأحفورية (الفحم، الغاز..) والبنية التحتية الداعمة والأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشروع.

بالإضافة إلى هذا كله، لابد من إشراك الأطراف المعنية في مرحلة التشاور بشأن اتخاذ القرار لتنفيذ المشروع الأول والقبول العام لاختيار موقع المحطة النووية. هذا الشرط مطلوب بموجب المعايير الدولية، والنصوص التنظيمية الوطنية الجديدة المتعلقة بدراسات الأثر البيئي، والترخيص لإنشاء مشروع صناعي.

بالنسبة لتحلية مياه البحر فإن استعمال الطاقة النووية كان دائمًا موضع اهتمام لدى المغرب، ومطروح ضمن رؤيته لإدخال الكهرباء النووية، لأن جدوى هذه الآلية ممكن اعتمادًا على المسار الحراري لاستخدام البخار المنبعث من المحطة أو باستخدام الطاقة الكهربائية المنتجة لتشغيل وحدة التحلية.

على الصعيد الدولي، لا توجد خبرة صناعية كافية في هذا المجال. ومع ذلك، يتم دراسة أو تطوير مشاريع المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة الطاقة، وتتطلب ضمان المراقبة التكنولوجية من قبل جامعاتنا وخاصة المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية CNESTEN، مركز الأبحاث النووية الرئيسي في البلاد.

كيف تقيمون الخبرات والكفاءات الوطنية في المجال النووي؟ وهل يملك المغرب بنية تحتية تجعله مؤهلا لإنتاج الطاقة النووية؟

تمتلك بلادنا قدرات وموارد بشرية كافية في مختلف التخصصات العلمية والتقنية للطاقة النووية: مهندسون وأكاديميون متخصصون في مختلف المجالات. 

لكن مع ذلك، ينبغي دق جرس الإنذار فيما يخص التعليم العالي الذي، بالإضافة إلى تقدم سن الجيل الأول من المتخصصين النوويين، يشهد انخفاضًا متزايدًا في معدلات عدد الحصص المخصصة للفيزياء النووية، التي تعتبر الأساس العلمي للتدريب على التطبيقات الاجتماعية والاقتصادية للتقنيات النووية وكذلك لخيار الطاقة النووية.

فيما يتعلق ببنيات إعداد خيار الطاقة النووية، فإن المغرب لديه بالفعل المؤسسات الرئيسية المطلوبة، فلدينا مركز معمورة للدراسات النووية، مع مفاعل أبحاث مخصص للتدريب / البحث وتعزيز التطبيقات النووية السوسيو اقتصادية، ويضم أكثر من 250 من المديرين التنفيذيين والفنيين المتخصصين، ولدينا أيضا إمكانات متنوعة من أساتذة البحوث الجامعية في العلوم النووية والتطبيقية. كما أن المغرب أنشأ في عام 2014 وكالة وطنية للسلامة والأمن النوويين والإشعاعيين "أمسنور"، تضم حوالي مائة مدير تنفيذي متخصص.

وبالإضافة إلى ذلك وضع المغرب أساسا قانونيا متقدما باعتماد القانون 142-12 بشأن السلامة والأمن النووي والإشعاعي وفقًا للمعايير الدولية.

أما فيما يخص صناعة الطاقة، فإن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب لديه المؤهلات والخبرة في إدارة مشاريع الطاقة الكهربائية والدراسات المتعلقة بمشاريع الطاقة النووية. المغرب إذن اكتسب خبرة طويلة في مختلف مراحل برنامج تطوير الطاقة النووية قد يبدو مسار الطاقة النووية بالمغرب بطيئا، لكنه يظل بالرغم من الإكراهات، قائما على نهج ثابت وعقلاني.

نعتقد في جمعية المهندسين في الهندسة النووية (AIGAM) أن الهيكل المؤسسي، الذي تشكله وزارة الطاقة والمعادن والبيئة، باعتبارها السلطة الحكومية المسؤولة عن تخطيط الطاقة في البلاد، والمؤسسات الرئيسية الثلاث المعنية: المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية و"أمسنور"، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، يمكن أن تشكل الإطار الملائم والمؤهل للنظر في السيناريوهات المناسبة أو المشروطة للخيار النووي ضمن مزيج طاقي شمولي.