جوهانسبورغ.. مدينة كل المخاطر

Par
إلياس الخلفي
//
إذا كان التنقل يوميا في المدن الكبرى عبر العالم عملية شاقة، متعبة وتستنزف الكثير من الوقت، فإنها في جوهانسبورغ، العاصمة الاقتصادية لجنوب إفريقيا حيث يقطن ما يقرب من 8 ملايين نسمة، مجازفة تحفها مخاطر جمة بسبب تدهور الوضع الأمني وارتفاع معدلات الجريمة.

قد تبدو السياقة للذهاب إلى العمل أمرا عاديا في العديد من بقاع العالم، بيد أنه غير عادي في جوهانسبورغ، العاصمة الاقتصادية لجنوب إفريقيا، ليس فقط بسبب الاكتظاظ في حركة السير، ولكن، على الخصوص، بفعل القلق والتوجس الناجمين عن تفشي الجريمة.

تفشي الجريمة يجعل التجوال في جوهانسبورغ محفوفا بالمخاطر

رحلات الذهاب والاياب وإن كانت شاقة ومتعبة في مدن أخرى عبر العالم، إلا أنها في جوهانسبورغ التي يقطنها ما يقرب من 8 ملايين نسمة، تكون فضلا عن ذلك محفوفة بالمخاطر. فالأمر يستدعي من السائق اتخاذ مجموعة من الاحتياطات للوصول إلى وجهته في أمن وسلام، منها إغلاق نوافذ السيارة، والحذر من الأشخاص الذين يقتربون كثيرا، وبشكل خاص تجنب الأحياء المعروفة بمعدلات الجريمة المرتفعة.

وعليه، فالطريق المختصر للوصول إلى الوجهة المقصودة ليس بالضرورة الطريق الأفضل. فالطرق المختصرة التي تقدمها تطبيقات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لا تأخذ بعين الاعتبار المخاطر الأمنية في بعض المناطق حيث الجريمة متفشية.

وتعد أحياء هيلبرو، وسط المدينة، وألكسندرا في الشمال وسويتو في الجنوب الغربي، وهي مناطق بنيت على مناجم الذهب، تعود للقرن التاسع عشر، من المناطق المعروفة بانعدام الأمن.

وقبل الانطلاقة يتعين على السائق أن يعرف مساره جيدا وأن يضع في اعتباره كل هذه المناطق التي لا ينبغي عبورها تحت أية ذريعة.

تفاقم تدهور الوضع الأمني في ظل جائحة كورونا

وقد ازداد الوضع حدة وأصبح أكثر خطورة في سياق الأزمة الصحية التي أدت إلى تفاقم الفقر، وتعميق الفوارق، فضلا عن الإلقاء بملايين الأشخاص في براثن البطالة عبر مختلف أنحاء البلاد. ويبدو أن دائرة الجريمة آخذة في التوسع في هذا البلد وأضحت أكثر جلاء ووضوحا. 

فالتجول في شوارع العاصمة الاقتصادية لجنوب إفريقيا يعد مجازفة لا يقبل عليها إلا قلة ممن يغامرون بتحمل مخاطره. ولا يمل حراس الأمن أبدا من تكرار النصائح والتوجيهات الأمنية التي ينبغي اتباعها لتجنب الاعتداءات التي يمكن أن تحدث حتى في الأماكن الأشد حراسة. وكما يقول المثل "الوقاية خير من العلاج". 

في الأحياء الراقية مثل ساندتون وباركهورست وميلروز آرتش وروزبانك، تنتشر الشرطة في كل مكان وتقوم بدوريات على مدار الساعة لمنع أي انفلات أمني. ومع ذلك، تعج الصحافة المحلية بقصص جرائم بشعة ومرعبة. فلا يكاد يمر يوم إلا ويستيقظ فيه سكان جنوب إفريقيا على أخبار جريمة ترتكبها عصابات غالبا ما تكون مسلحة بشكل جيد (إطلاق نار وسرقة وهجوم على مركبات نقل الاموال والاختطاف والاغتصاب وسرقة السيارات وغيرها).

عمليات السطو باستعمال العنف تتصدر قائمة الجرائم

وفي هذا الصدد، أقر الطبيب العام أوليفر، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، بأن العيش في جوهانسبورغ يعد تحديا حقيقيا، مبرزا أنه "لا يمكنك أن تعيش حياة طبيعية وآمنة دون القلق بشأن حياتك وحياة أقاربك أو القلق بشأن ممتلكاتك".

وحكى أوليفر بأسف إحدى تجاربه السيئة قائلا "عندما عدت إلى المنزل ذات مساء بعد يوم من عمل مضني، لاحظت أن منزلي قد نهب من قبل لصوص أخذوا كل الأشياء الثمينة من دون أن يزعجهم أحد"، مستغربا كون المجرمين تواطؤوا مع حارس المجمع السكني حسب نتائج التحقيق.

وبحسب وكالة الإحصاء بجنوب إفريقيا (Stats SA) فإن عمليات السطو تصدرت قائمة الجرائم المرتكبة بالبلاد خلال الفترة 2019 / 2020. وارتفع عدد الأسر في جنوب إفريقيا التي تعرضت للسطو من 2٫1 مليون أسرة في 2015 /2016 إلى 2٫3 مليون في 2019 /2020، ما يمثل أكثر من 5 بالمئة من مجموع الأسر في البلاد.

وبخصوص سرقات السيارات في جوهانسبورغ، فقد عاش مصطفى، وهو مغربي يقيم في جنوب إفريقيا منذ 4 سنوات، هذه التجربة حيث قال "سرقت عصابة سيارتي التي كانت مركونة في مرآب عمومي".

أما سيزوي، وهي إطار بنكي بمنطقة الأعمال "ساندتون"، فقالت إنها تشعر بالخوف يوميا أثناء تنقلها من حي "مابونينغ" في وسط المدينة إلى مكان عملها شمال جوهانسبورغ. وسجلت بحسرة أن "الشعور بانعدام الأمن يسكننا على الدوام، ولكن ليس لدينا خيار سوى التعايش معه"، مؤكدة أنه في هذه المدينة "لا أحد في مأمن".

وتعود هذه الأزمة الاجتماعية والأمنية التي تعيشها جنوب إفريقيا، والتي تتمظهر أساسا في الجريمة والعنف، في جزء منها إلى حقبة الميز العنصري التي انتهت عام 1994. ومنذ ذلك الحين، فشلت الحكومات المتعاقبة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في خلق فرص عمل كافية للشباب للحد من المنحنى التصاعدي للجريمة في البلاد.