بيتك من زجاج يا جارة فلا تضربي بالحجارة

Par
هشام الأكحل

..


لن يكون الأمر عسيرا على كل اسباني قرأ رواية دون "كيخوتي دي لامانتشا" لصاحبها ميغيل دي سيرفانتيس، أن يهيم بخياله معنا في قصة قد لا تشبه قصة بطل الرواية، ذلك الأحمق الذي راح يحارب طواحين الهواء موهما نفسه أنه في مهمة مقدسة.

لنبدأ لعبة التخيل مع "المختار الخوارجي" هو الاسم الذي اختاره الرئيس السابق لكاتالونيا، كارلوس بوجديمون، أو اختير له من جهات تعادي الوحدة التربية لإسبانيا، ليدخل به تحت جنح الظلام إلى جارها المغرب بجواز سفر بلجيكي مزور وهوية منتحلة.

لدواع إنسانية صرفة قبل المغرب، الذي يحسب نفسه البلد الصديق والشريك لإسبانيا، أن يلج "الخوارجي" إلى أرضه وهو مدرك تماما أن الأخير لا يعدو أن يكون إلا ذلك الانفصالي كارلوس بوجديمون الذي سعى إلى تقسيم إسبانيا وبلقنتها والدفع في اتجاه استقلال كتالونيا.

دائما ونحن بصدد التخيل، أدخل "الخوارجي" إلى مستشفى "الشفاء" بمدينة المحمدية. حرصت السلطات المحلية على أن تتم العملية في سرية تامة حتى لا تعلم بذلك الجارة الاسبانية، لكن التواطؤ بين المغرب وبلجيكا ضدا على اسبانيا ووحدتها التربية سرعان ما تكشفت خيوطه وسلطت عليه الصحافة الإسبانية الأضواء.. بقية القصة لكم أن تتخيلوها. 

لنوقف لعبة التخيل لنعود إلى الواقع الذي لا يعلا عليه. ماذا كانت ستفعل إسبانيا لو أن المغرب استقبل فعلا بوجديمون على أرضه، وضرب عرض الحائط كل روابط التاريخ والصداقة وحسن الجوار والشراكة وكل مشترك؟

كيف كانت ستتلقى الصدمة من بلد تعتبره أفضل شريك لها وهو يوجه لها طعنة غادرة تصيبها في مقتل؟ 

لكن المغرب الوفي كعادته لاحترام مبادئ القانون الدولي، لا يعرف النفاق، سبق وأن عبر عن رفضه للمسلسل أحادي الجانب لاستقلال كتالونيا، وأعلن صراحة تشبثه بسيادة مملكة إسبانيا ووحدتها الوطنية والترابية.

كيف تسمح إسبانيا لنفسها بالتبجح بأنها دولة ديمقراطية وتختار ازدواجية الخطاب والمعايير والتصرفات والانتقائية شعارا لعلاقاتها مع المغرب؟ 

كان يفترض أن تكون هي الأحرص على تحصين هذه العلاقة، كيف لا وبيتها أهون من بيت العنكبوت. 

الجارة الشمالية اختارت أن تغرس خنجرا مسموما في خاصرة المغرب باستقبالها لمجرم حرب هارب من العدالة الإسبانية نفسها. ابراهيم غالي، الذي بطش لسنوات ومنها اشتقت له المخابرات الجزائرية اسم بن بطوش ليكون اسما على مسمى، مازالت يداه ملطختان بدماء أبرياء من عشرات الإسبان ذبحهم في سبعينات القرن الماضي، مهما طال الزمن فمثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

الآن وقد حفرت اسبانيا هوة تفوق في عمقها عمق البحر الابيض المتوسط باعدت بينها وبين أفضل شركائها. كيف ستعيد بناء ثقة هي من أجهزت عليها، وما سبيلها للخروج من أزمة هي من اختلقتها؟ لقد أدركت إسبانيا، وإن متأخرة، أنها أمام بلد يحترم نفسه ولا يقبل من أي كان ألا يحترم سيادته ووحدته الترابية. يبدو أن الرسالة وصلت غير مشفرة إلى من يهمه الأمر وعلى مدريد أن تراجع حساباتها قبل فوات الأوان.