الطاقة النووية بالمغرب.. ملف له تاريخ

Par
زكرياء بلعباس
..
لماذا لا ينتج المغرب اليورانيوم؟ هو أول سؤال يتبادر للذهن عند التطرق لموضوع "النووي" بالمغرب. جوهر التساؤل يتعلق بالسبب أو الأسباب التي جعلت بلدا مثل المغرب يكتفي لحد الساعة بمفاعل نووي "صغير" للأبحاث فقط دون الوصول إلى إنتاج الطاقة الكهرونووية. سيكون من المفيد لكل من يقبل على الإجابة عن السؤال أن يتعرف أولا حول تاريخ النقاش حول الطاقة النووية بالمغرب، فهو نقاش له تاريخ.

في تقرير نشرته مجلة "فوربس" الأمريكية، يقول عالم الفيزياء الفلكية النظرية إيثان سيجل إن "العالم اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الطاقة النووية، ومع ذلك فإن الخوف وليس الحقائق العلمية، هو الذي يحكم سياسات الدول الحالية". وفي خلاصة بحثه، سجل العالم الأمريكي أنه ورغم خطورة الحوادث التي قد تنجم عن توليد هذه الطاقة كتلويث البيئة بالإشعاعات النووية، مثل ما حدث في تشيرنوبيل سنة 1986 أو فوكوشيما سنة 2011، إلا أن "هذه الطاقة تظل عموما أكثر أمانًا من أي مصدر طاقة آخر منتشرة على نطاق واسع في تاريخ البشرية".

ومن المفارقة أن إفريقيا، حيث أغلب البلدان ترتهن في مزيجها الطاقي للاستيراد، لا تحتضن سوى مفاعلين فقط من أصل أربعمائة وثلاثة أربعين مفاعلًا نوويًا منتِجًا للكهرباء في العالم، هما مفاعلا الماء المضغوط (PWR) بقدرة 900 ميجاوات لكل منهما، واللذان يقعان في جنوب إفريقيا، البلد الإفريقي الوحيد الذي يتوفر على محطة طاقة نووية عاملة منذ عام 1984. 

وباستثناء أستراليا، التي اختارت الانسحاب من برنامج تطوير الطاقة النووية منذ السبعينيات، لا توجد قارة خالية من هذه الطاقة. كما أن مفاعلات الأبحاث النووية ما زالت نادرة، حيث توجد سبع دول أفريقية فقط، من بينها المغرب، تتوفر على البنية التحتية الملائمة للبحث والتطوير في المجال النووي. 

فلماذا لا تقوم البلدان الإفريقية ومنها المغرب بتطوير برنامجها النووي بما في ذلك إنتاج الوقود النووي من اليورانيوم المخصب والذي يشغل جميع المفاعلات النووية؟ 

التاريخ النووي للمغرب

يرى الأستاذ الباحث في كلية مكدانيل ببودابست، ماثيو أدامسون الذي تحدث لمجلة BAB من المجر، أن دراسة الأسباب التاريخية لعدم زيادة استخدام الطاقة النووية في المغرب أمر جوهري وخصوصا خلال الفترة التي عرفت تزايد أطماع الدول الاستعمارية وفي مقدمتها فرنسا التي قامت بالتنقيب عن اليورانيوم في كل مستعمراتها الإفريقية.

وحسب الباحث المتخصص في الدبلوماسية النووية، فقد بدأت أول عملية بحثية في المغرب مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية عندما قدم جان أورسيل، الذي كان وقتها مستشارًا في مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية (CEA)، تقريرًا كان في الأصل وثيقة سرية للسلطات الفرنسية حول "إمكانية تواجد اليورانيوم بالمغرب" بعد اكتشافه لمعدن خام أصفر مخضر سنة 1951.

ولكن، يضيف الخبير، بسبب المشاكل المالية التي كانت تعاني منها المفوضية والوضع الدولي غير المستقر بسبب بداية بوادر الحرب الباردة ورغبة الولايات المتحدة في السيطرة على كل التقنيات النووية، تمت عمليات التنقيب عن خام اليورانيوم في المغرب بـ"بطء شديد". ولتسريع وتيرة العمليات، اتفقت السلطات الأمريكية والفرنسية عام 1953 على تنظيم عمليات مشتركة سرية للتنقيب عن اليورانيوم في الصحراء والجبال المغربية على مدى ثلاثة سنوات. وقد اكتشف المؤرخ أن هذه العمليات تمت تحت ستار شركة خاصة سُميت بـ"الشركة المغربية للأبحاث واستخراج المعادن" (سومارم)، غير أن هذه الأنشطة السرية انتهت في 1955 دون تحقيق نتائج ملموسة.

ويؤكد الباحث الذي نشر العديد من الأبحاث حول التاريخ النووي للمغرب في عدة مجلات علمية، أنه بعد الاستقلال مباشرة، حاول المغرب تحسين العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا وتوقيع اتفاقيات تجارية جيدة من خلال التبادلات العلمية في مجال النووي وكذلك الاستعانة بعلماء الفيزياء الأجانب، بمن فيهم العالم الإيطالي جيامبيترو بوبي (Giampietro Puppi) صاحب نظرية القوة النووية الضعيفة، لمساعدته في بناء نظام للكشف عن المواد الإشعاعية والنووية، وذلك بعد أن أدرك "عواقب افتقاره للخبرة العلمية والنفوذ الدبلوماسي النووي". وباعتماده على وثائق إدارة المحفوظات والسجلات الوطنية بالولايات المتحدة، يرى الأكاديمي المختص في المظاهر الجيوسياسية للقوة والتأثير والتعاون حول العالم، أن المغرب بدأ في الحصول في نهاية الستينيات على الخبرة النووية الضرورية في إطار التعاون مع مكاتب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أنشئت من خلال المبادرة الأمريكية "الذرة من أجل السلام" (Atoms for Peace). 

وبعد أن وقع وصادق على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية سنتي 1968 و1970 على التوالي، استأنف المغرب عمليات التنقيب الممولة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على مناطق جغرافية محددة في جبال الأطلس الصغير وفي وادي ملوية، وذلك بالاعتماد على تقنيات نووية محددة (إجراء قياسات مطيافية بأشعة غاما بواسطة الهليكوبتر، أخذ العينات الجيوكيميائية الفلورية..) بشراكة مع بعثات المساعدة التقنية التي أرسلتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

"سيدي بولبرة"..المشروع الغامض

تظهر وثيقة تلخص الدراسات السابقة حول إنشاء أول محطة طاقة نووية بالمغرب، أن المكتب الوطني للكهرباء أنجز في أوائل الثمانينيات دراسة جدوى أولية لإنشاء محطة طاقة نووية بمساعدة الشركة الفرنسية سوفراتوم (Sofratome) والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولكن تم إنهاء المشروع بطريقة غامضة.

تشير هذه الدراسة التي نشرت سنة 2007 خلال المؤتمر الدولي المنظم في فيينا حول إدارة المعرفة في المنشآت النووية، أن منطقة سيدي بولبرة الواقعة بين مدينة آسفي ومدينة الصويرة، كانت موقعا مناسبا لبناء أول محطة خاصة لتوليد الطاقة. وقد وقعت المملكة المغربية سنة 1978 على اتفاقية مع شركة جنرال أتوميك الأمريكية لشراء أحد مفاعلاتها البحثية القياسية "Triga Mark 1" وتبع ذلك اتفاق تعاون نووي ثنائي مع الولايات المتحدة في عام 1980. بيد أن التقرير خلص إلى أنه كان من المستحيل توليد الطاقة النووية واستغلالها قبل القرن الواحد والعشرين بسبب ضعف شبكة الكهرباء الوطنية ومحدودية الطلب المحلي.

ولتفسير أسباب إنهاء هذا المشروع، تؤكد وثائق نشرتها الوكالة الدولية خلال اجتماع نُظم بين التاسع والثالث عشر من أبريل 1984، أنه لا يمكن التقيد بالجدول الزمني المحدد لاستكمال بناء المفاعل النووي، حيث أصبح المشروع ذو الأفق طويل الأمد غير جذاب للمستثمرين. كما كشف خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد زيارة الموقع في ماي 1983 عن صعوبات أخرى، كالدراسات غير الدقيقة حول تقييمات الجيولوجيا والزلازل بالمنطقة وصناعة غلاف المفاعل وكذلك تواجده على بعد مائتي متر فقط من خزانات غاز البوتان (البتروغاز)، بما في ذلك حاوية بسعة ألفي متر مكعب من هذا الغاز. 

وفي نهاية المطاف، يؤكد أدامسون في مقال نشره بالمجلة الأكاديمية "إفريقيا المعاصرة" سنة 2017، أنه "لم يوافق أي وزير مغربي على توقيع الإذن ببناء المفاعل سنة 1983، كما قُدر أن هناك حاجة لحوالي سنتين لنقل صهاريج تخزين البتروغاز من موقع سيدي بولبرة". ووسط هذه العراقيل المتعددة، تم التخلي عن مشروع بناء مفاعل "Triga Mark 1"، حيث تم الاحتفاظ بالسفينة المخصصة لإيواء قلب المفاعل لسنوات في ميناء الدار البيضاء.

ويرى ويليام ديو الباحث في مركز كلاينمان لسياسات الطاقة في معرض استعراضه لأسباب تأخر إفريقيا في مجال الطاقة النووية، أنه ولسنوات طويلة، سادت مخاوف بخصوص قدرة البلدان الإفريقية بصفة عامة على توفير إطار تنظيمي ومالي واضح، والقيام بالدراسات الدقيقة والشاملة حول جميع المخاطر المحتملة عند بناء مفاعل نووي على المدى البعيد، بالإضافة إلى التوقعات غير المشجعة حول نمو الطلب المحلي على الكهرباء.

وهذا من شأنه، حسب الخبير الأمريكي من جامعة بنسلفانيا، أن يسبب عزوف المستثمرين عن تمويل مشروع المفاعل النووي، وخاصة عندما لا يشعرون بأن الحكومات تحرص وبإلحاح على تسريع وتيرة إكمال المشاريع النووية. وثبت تاريخيا، أن البلدان الإفريقية تميل عموما إلى إطالة أمد تطوير هذه المشاريع. وهذا ما حصل بالضبط مع مشروع بناء مفاعل "Triga Mark 1" في الثمانينيات.

"النووي" بالمغرب.. غموض في الرؤية المستقبلية 

يتوفر المغرب اليوم على مفاعل نووي للأبحاث تصل قوته إلى 2 ميغاواط، والذي يشكل محور أنشطة التدريب والبحث وتعزيز التطبيقات النووية السوسيو اقتصادية، ويضم أكثر من 250 من المديرين التنفيذيين والفنيين المتخصصين. 

وفي هذا السياق، يشير رئيس جمعية المهندسين في الهندسة النووية بالمغرب، عبد المجيد الصاوي في حديث لمجلة BAB، إلى أن المغرب قد طور قاعدة كبيرة من المعرفة والخبرة في الأنشطة النووية بهدف اتخاذ قرار "مستنير" بشأن إدخال الطاقة النووية. ومع اعتراف المهندس المغربي بأن "القضية النووية ليست على جدول الأعمال "فإنه يدعو إلى إبقاء هذا الخيار مفتوحا ضمن مزيج الطاقة الوطني". 

أما وزير الطاقة والمعادن والبيئة، عزيز الرباح فقد كان حاسما عندما قال في حديثه للمجلة أنه "ليس هناك أي قرار لاعتماد الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء".

متى إذن سيتم هذا التحول في مسار الطاقة بالمغرب؟ عالمة الفيزياء الفلكية الأمريكية والباحثة في الطاقة في معهد بريكثرو (Breakthrough Institute) بكاليفورنيا، ترى أن بإمكان المغرب أن يكون جاهزا لتوليد الطاقة النووية في أفق عام 2030، إذ أنه يهتم منذ عدة سنوات بالطاقة النووية لاستخدامها في تحلية المياه والكهرباء. 

ويبقى أن خيار اعتماد الطاقة النووية مطروح على الطاولة منذ ثمانينيات القرن الماضي، في حين أن مصادر أخرى للطاقة مثل الطاقات المتجددة تم تطويرها بطريقة ممنهجة وجدية منذ بداية القرن الواحد والعشرين لزيادة إمدادات الطاقة الوطنية والتموقع كمنتج أساسي للطاقة الخضراء.