الساسة الإسبان والإعلام الإسباني.. وجهان لعملة واحدة!

Par
حكيم خيران
..
إسبانيا تحاول استغلال ما حدث في الثغر المحتل لسبتة كـ"مطية للهروب من النقاش الحقيقي" حول الأزمة المغربية- الإسبانية المتعلقة باستقبال مدريد للمدعو إبراهيم غالي، المتابع بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والاغتصاب وانتهاكات لحقوق الإنسان.

يقول المثل "حبل الكذب قصير". وفي زمن الانفجار التكنولوجي والذكاء الصناعي الخارق والوعي الجمعي العالمي الناشئ عن الثورة التكنولوجية المعولمة، صار الكذب ينكشف قبل أن يقوم الكذاب من مقامه أو يرتد إليه طرفه. 

غير أن عميان البصائر الذين لم يحينوا برمجياتهم المهترئة، وظلوا يسيرون إلى الأمام بأعين مرتدة إلى ماض سحيق، لا تسعفهم فطنتهم ليستوعبوا أن الكذب والتضليل لم يعد ينطلي على أحد في القرن الحادي والعشرين.

الإعلام الإسباني وعملية التضليل

هي حال قسم من الإعلام الإسباني الذي انكشف عواره مرة أخرى على محك جديد لاختبار المصداقية والنزاهة والاستقلالية في أبسط مقوماتها، وتجرد من كل القيم والضوابط والأعراف الأخلاقية والمهنية المزعومة، ولم يتورع -عن سبق إصرار وقصد- عن التماهي مع الساسة في حملة قذرة لتضليل الرأي العام المحلي والدولي بتوظيف صور زائفة وتبخيس إنجازات المملكة التي تحظى باعتراف دول عظمى، وفيا في ذلك لنهج تاريخي دنيء من التزييف الإعلامي والكذب وبث الإشاعات، دأب عليه كلما تعلق الأمر بالمغرب وقضاياه الكبرى، وخاصة قضية الصحراء المغربية.

إعلام دولة تدعي الديمقراطية وحرية الرأي والضمير، يمعن في وضع نظارات سوداء كلما يمم وجهه شطر الجار الجنوبي، متربصا به، ضاربا عرض الحائط بكل القيم والمعايير والأعراف المهنية والأخلاقية، راسما لنفسه معايير جديدة قوامها تحريف الحقائق وصرف الأنظار عن الواقع نصرة لساسة بلاده.

ولأن الطيور على أشكالها تقع، لم يكن غريبا أن تلتقي قلوب هذا الإعلام الإسباني في هذا المسعى الدنيء مع قلوب بعض أبواق الإعلام الجزائري الذي لا تعوزه المادة الصحفية صباح مساء، بتسويد البياض من محبرة العداء والحقد تجاه المغرب، الذي يراد له ألا يرسم -بكل سيادة واستقلالية- طريقه بكل ثبات وثقة نحو التنمية والتقدم، وهو مجال أحرز فيه قفزات نوعية لا يضيره ألا يعترف بها الأعداء.

عقدة الاستعلاء الإمبريالي البغيض

هو نفس الإعلام الذي كان عليه أن يسائل حكومة بلاده ويشدد عليها النكير بشأن تورط فاضح دُبر بليل، سرعان ما انكشفت خيوطه مع انبلاج فجر اليوم التالي، لتمكين مجرم حرب، زعيم عصابة انفصالية ينشط أعضاؤها في منظمات إرهابية وذات تاريخ طويل من اختلاس المساعدات يعرفه القاصي والداني، من دخول ترابها بهوية مزورة، بدل صرف الأنظار إلى قضايا أخرى ومحاولة تصوير المذنب على أنه ضحية والضحية على أنه مذنب، والتستر على سجل طويل من إساءة معاملة المهاجرين، الموثقة والثابتة.

وهو نفس الإعلام الذي كان عليه - باسم نفس القيم والمعايير المهنية والأخلاقية - أن يقيم الدنيا ولا يهدأ له بال حتى يرى مجرم الحرب الملاحق من طرف قضاء بلاده - المستقل!- واقفا أو جاثيا في قفص الاتهام، ويتناقل صوره وهويته -الحقيقيتين هذه المرة-، وقد انتشى بانتصار العدالة وإحقاق الحق احتراما لحقوق الضحايا واستجابة لما يمليه الضمير "الإنساني"، بدل إضافة "الحق والحقيقة" إلى قائمة الضحايا.

هو نفس الإعلام الضلّيل الذي كان يفترض فيه أن يحشد ويؤلب الإعلام الدولي لاقتياد مجرم الحرب إلى مكانه الطبيعي ليحاكم على سيل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يحفل بها سجله الأسود على مدى عقود من الزمن، بدل أن ينخرط في حملة عنصرية مقيتة ضد المملكة المغربية كشفت للعالم أجمع أن هذا الإعلام وساسة بلاده لم يتخلصا من عقدة الاستعلاء الإمبريالي البغيض، ولم تمَّح من ذاكرتهما ملحمة المسيرة الخضراء المجيدة التي ردتهم على أعقابهم يجرون ذيول الخيبة والانكسار أمام شعب أبي.

إسبانيا تجاهلت حسن الجوار مع المغرب

قبل الإعلام، ألم يكن حريا بالسلطات الإسبانية، التي التزمت صمت أهل القبور بعد انكشاف الفضيحة المدوية، عدا ما كان من أمر "الدواعي الإنسانية"، قبل أن ينطلق لسانها –ومعها أصوات نشاز من الاتحاد الأوروبي- بكيل الاتهامات للمغرب في موضوع الهجرة، أن تكون أحرص على جلب مجرم حرب أمام قضائها، بدل التستر عليه وازدراء نظامها القضائي بهذا الشكل المهين المشين؟ 

ألم تكن الشفافية تقتضي منها أن لا تتصرف خلسة وبمنطق لصوص جنح الظلام والمهربين وتستقدم مجرم الحرب علانية باسم "الدواعي الإنسانية" التي تتذرع بها؟ 

وهل للدولة الإسبانية قلبان في جوفها: قلب يفيض بالمشاعر "الإنسانية" يحنو على مجرم حرب، وقلب آخر أشد قسوة من الحجارة تجاه ضحايا هذا المجرم الكثر، بمن فيهم مواطنون إسبان ضحايا انتهاكات ارتُكبت على التراب الإسباني على يد نفس المجرم الذي تحول فجأة إلى شخص جدير بالرعاية "الإنسانية"؟ 

هل لعبة المصالح الاقتصادية والحسابات الجيو-سياسية الضيقة تسوغ كل هذا الازدراء للعدالة وهذا التنكر لحقوق الضحايا، ولحقوق وكرامة محتجزين في مخيمات تفتقر إلى أبسط شروط الحياة الكريمة فوق تراب بلاد "محمد بن بطوش"؟ 

إن التاريخ لا يرحم، وسيسجل إلى الأبد أن بعض الساسة الإسبان لا يجدون غضاضة في التنكر لذوي القربى وفي غدر الشركاء والحلفاء والجيران كلما تعلق الأمر بحسابات سياسوية ومصالح اقتصادية ظرفية وغير مضمونة العواقب في ميزان الربح والخسارة!