استهلك حتى يراك الأقوياء!

Par
مصطفى بوبكراوي
//
في النظريات الاقتصادية الكلاسيكية، ظلت المواجهة الأبرز هي تلك التي تدور بين رأس مال وقوى عمل، وكان الإضراب هو وسيلة الضغط الوحيدة في مواجهة قرار اقتصادي أو حتى سياسي. ومع عولمة الاقتصاد ظهر فاعل جديد له سلطة معينة في توجيه الأحداث. إنه المستهلك الذي أصبح سلوكه مكونا رئيسيا في مخططات الإنتاج والتسويق وفي عملية اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي.

عندما أعيد نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في فرنسا الخريف الماضي، تناسلت المواقف المنددة بالفعل وبموقف باريس منه في العديد من البلدان الإسلامية على المستويين الرسمي والشعبي.

غير أن باريس لم تأبه لهذه المواقف، وجاء الرد عموما من بعض وسائل الإعلام الفرنسية، واستمر الوضع على ما هو عليه، إلى أن انطلقت حملات لمقاطعة البضائع الفرنسية. تغيرت لهجة باريس فجأة، وظهر كثير من التشنج في بيان للخارجية الفرنسية يدعو دول أخرى ذات سيادة إلى "وقف" هذه الحملات، ثم بدأت حملة إعلامية لتلطيف الأجواء.

لقد تفوق قرار مستهلكين "كبار" كما هو شأن المجتمعات الخليجية الغنية بالخصوص على كثير من الدبلوماسية والتنديد والشجب، وحققت دعوات المقاطعة تراجعا نسبيا في خطاب قوة نووية كفرنسا، وظهر رئيسها على شاشة "الجزيرة" وليس على "فرانس 24" ليحاول تقليل الخسائر.

هذه الواقعة أظهرت أن فعل الاستهلاك أصبح سلاحا في كثير من الصراعات السياسية والأخلاقية وليس فقط الاقتصادية.

الاقتصاد المعولم.. رأس مال وقوة عمل واستهلاك أيضا 

في النظريات الاقتصادية الكلاسيكية، ظلت المواجهة الأبرز هي تلك التي تدور بين رأس مال وقوى عمل، وكان الإضراب هو الشبح الذي يخيف الرأس مال، سواء في تمظهره الاقتصادي أو السياسي، والذي قد يدفعه إلى تقديم تنازلات على هذا الصعيد أو ذاك.

وكما أكد الباحثان انغريد نيستروم وباتريسيا فوندرمان (Ingrid Nyström, Patricia Vendramin) في دراسة تحت عنوان "المقاطعة" (le boycott) صدرت سنة 2005، فإن العمال والنقابات العمالية ظلت لعقود الفاعل الرئيسي في مواجهة الرأسمال مما أثمر عن تبني السلطات العمومية لقوانين الشغل.

غير أن سلطة المواطن، يضيف الباحثان، التي برزت في إطار الدولة، تبدو اليوم متجاوزة من قبل رأس مال عالمي، "فالفاعلون على المستوى الوطني يجدون صعوبة في التأثير في سوق معولمة، فيما أصبح مجتمع الاستهلاك العالمي على وشك أن يتجاوز حدود قدرة (الكوكب والسكان) على التحمل الاجتماعي والبيئي".

فهل يمكن لتحالفات بين العمال والمستهلكين والمواطنين أن ترسم ملامح سلطة مضادة فعلية في وجه اقتصاد العولمة؟ يتساءل الباحثان.

مستهلكون وعمال في جبهة واحدة 

من غير المعروف ما إذا كانت مثل هذه التحالفات ممكنة أو متاحة، وما إذا كانت ستثمر في النهاية عن تغيير في وسائل وحجم الإنتاج وتوزيع العائدات وتعديل أساليب التسويق وهوامش الربح، وبالتبعية في طبيعة الاقتصاد المعولم، ولكن المؤكد أن تحركات جماعية للمستهلكين صنعت الفارق في ملفات محددة، في بلدان معينة بل وأحيانا بشكل عابر للحدود.

ففي أبريل 2001 طرحت صحيفة " لوباريسيان " الفرنسية سؤالا على عدد من الأطر والطلبة  يقول " هل أنت مستعد لمقاطعة منتجات شركة دانون؟"  تباينت الردود لكن الأهم هو الظرفية والدافع لطرح السؤال أكثر منه اسم الشركة أو ردود المستجوبين.

فقد أعلنت الشركة عن تسريح آلف وسبعمائة من العمال في أحد فروعها بفرنسا بعد إعادة هيكلة، وتضامنا مع العمال دعت نقابات وشخصيات وحتى مقاولات أخرى متضررة لمقاطعة منتوجات " دانون" في تحرك قد يكون الأول من نوعه في بلد مصنع، تستغيث فيه النقابات بالخصوص بمستهلكين للضغط على رأس المال.

..

مقاطعة عابرة للحدود للتأثير في السياسة الدولية

في قضية كالقضية الفلسطينية ظهر جليا عجز الأمم المتحدة عن الوقوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي ووقف تمدده في الأراضي الفلسطينية ووضع حد لجرائمه ضد الشعب الفلسطيني. ولم تأبه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لا لقرارات الأمم المتحدة ولا حتى لدعوات حلفائها، العلنية على الأقل، لوقف الاستيطان أو إدانتهم لعدوانها على الشعب الفلسطيني. لم تشعر الحكومة الإسرائيلية بأي تهديد سياسي لمصالحها إلى أن انطلقت حملة مقاطعة البضائع الإسرائيلية في أوروبا بالتحديد باعتبارها الشريك الاقتصادي الأهم للإسرائيليين.

ففي سنة 2005 أصدرت مكونات المجتمع المدني الفلسطيني نداءً لشعوب العالم، لدعم مقاطعة إسرائيل باعتبارها شكلا للتضامن العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه. وبدأت الاستجابة لهذا النداء تكبر شيئا فشيئا ككرة الثلج إلى درجة أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي زعم  سنة 2015 أن حركة مقاطعة إسرائيل" (BDS) التي تنشط في أغلب أنحاء العالم اليوم تمثل "خطرا على الشعب اليهودي"، في مسعى لشيطنة الحركة و استدرار التعاطف. وقد شكل قرار حكومة بنيامين نتنياهو تشكيل طاقم وزاري خاص لمعالجة ظاهرة المقاطعة والتصدي لها في يوليوز 2016 مؤشراً آخر على الجدية التي بدأت تتعاطى بها الحكومة الإسرائيلية مع ما تعتبره "خطراً على شرعيتها". وتشمل حركة (BDS) الدعوة لوقف التعامل مع إسرائيل، ومقاطعة الشركات الإسرائيلية وكذلك الدولية المتواطئة في انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين، ومقاطعة المؤسسات والنشاطات الرياضية والثقافية والأكاديمية الإسرائيلية مع الدعوة لسحب الاستثمارات من خلال الضغط على المستثمرين والمتعاقدين مع الشركات الإسرائيلية والدولية المتورطة في جرائم الاحتلال.

وقد حققت هذه الدعوات نجاحا خصوصا في مجالات البحث العلمي والعمل الأكاديمي سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة. كما حققت دعوات مقاطعة بضائع المستوطنات نجاحا نسبيا في أوروبا، لكنه على ما يبدو بلغ مستوى سيدفع بنيامين نتنياهو إلى الاستنجاد بالحليف الأمريكي. فقبيل مغادرة إدارة الرئيس ترامب للبيت الأبيض سيعلن مايك بومبيو وزير الخارجية في نونبر 2020 عن "تجريم" مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

المستهلك كمحور لخطاب حماية البيئة 

لعل دعاة حماية البيئة أو "الخضر" من بين الفاعلين الأوائل الذين راهنوا بشكل كبير على المستهلك الفرد، أكثر من رهانهم على صناديق الاقتراع والعمل السياسي. فإذا كانت منظمة بيئية كـ"غرين بيس" (السلام الأخضر) قد راهنت، خصوصا في الثمانينيات من القرن الماضي، على عمليات مفاجئة ومثيرة لإثارة الانتباه لموضوع البيئة، فإن  الخضر يراهنون في الوقت الراهن بالخصوص على توعية الفرد المستهلك للضغط على كبريات الشركات  لتغيير معايير الإنتاج والتسويق بشكل يقلل من التأثير السلبي على النظم البيئية. 

وقد أثمر الرهان على المستهلك عن ظهور نوع جديد من  أساليب التدبير والتسويق يعتمد على الانخراط في الاقتصاد الدائري (استخدام مدخلات قابلة للتدوير) من أبرز مقومات الترويج لأي منتوج.

وانتقل الرهان على ما بات يعرف بـ" المستهلك الأخضر "ليشمل المؤسسات أيضا. فقد أطلقت اللجنة الأوروبية على سبيل المثال في 11 نونبر الماضي ما أطلقت عليه" الأجندة الجديدة للمستهلك"، والتي قالت إن الهدف منها هو تمكين المستهلك الأوروبي من الوسائل التي تمكنه من لعب دوره في الانتقال البيئي والرقمي.

وعن هذه الأجندة يقول ديديي راندرز المفوض الأوروبي المكلف بالعدل "يتعين أن يكون المستهلكون قادرين على تبني اختيارات مستدامة (..) هذه الأجندة تضم إجراءات  تساعد على تبلور مجتمع رقمي وإيكولوجي يقوم على الإنصاف، مجتمع يستبطن أن سلوك المستهلك يتجاوز حدود الدولة". 

ومع أن الدراسات الميدانية تؤكد أن فئة المستهلكين الأكثر انشغالا بالأسعار (ذوو الدخول الضعيفة غالبا) يظلون أقل اهتماما بالمعيار البيئي، فإن جبهة حماية البيئة تراهن بشكل كبير على المستهلك الذي أصبح محط أنظار كل الطامحين في التغيير في هذا الاتجاه أو ذاك.

..

المستهلك والأنترنيت.. مدفع يقصف في الاتجاهين

كان لمواقع التواصل الاجتماعي فعل السحر على سلطة المستهلك في مختلف أنحاء العالم، حيث مكنت المستهلكين الأفراد من التحول إلى قوة  جماعية مؤثرة في كثير من الأحداث وفي اتجاهات متباينة. ففي الوقت الذي ظلت فيه جمعيات المستهلك محدودة التأثير في العديد من البلدان، فإن تطبيقات التواصل الاجتماعي والمراسلات الفورية الجماعية، سمحت للمستهلكين بتجاوز القيود التي قد تفرض على التنظيم والاجتماع، وأيضا على البطء الذي يميز عادة اتخاذ القرار داخل جمعيات وفيدرالية المستهلكين.

فقد انطلقت العديد من حملات مقاطعة هذا المنتوج أو ذاك عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث عاش المغرب مثلا تجربة غير مسبوقة سنة 2018 انطلقت بدعوة مجهولة على فيس بوك لمقاطعة منتوجات ثلاث شركات دفعة واحدة  المحروقات والماء المعدني ومنتوجات الحليب). لقد كان لحملة المقاطعة هذه أثر كبير على الشركات المستهدفة، أثر كان يزداد مع كل محاولة للتدخل سواء من طرف الشركات المعنية أو حتى من طرف فاعلين سياسيين.

وفي مقابل ما أتاحه الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على الخصوص من حرية  في التعبئة ضد او لصالح منتوج معين، فإنه أيضا شكل بالنسبة للشركات ومقدمي الخدمات سلاحا للبحث عن نقاط ضعف المستهلك من أجل صياغة سياسة تسويقية تتجاوز العقبات النفسية وأحيانا القناعات الشخصية أيضا.

فمواقع التواصل الاجتماعي التي تمكن المستهلك من  التعبير والتأثير هي نفسها التي تمكن الشركات الكبرى من جمع وتحصيل كل صغيرة وكبيرة عن سلوكه ورغباته (حتى السرية منها والتي قد يعبر عنها بتصفح عابر) بما يجعله مكشوفا في حربه ضد منتَج أو منتِج.

حدود سلطة المستهلك

وبالرغم من تنامي سلطة المستهلك وقدرته على التأثير في ظل اقتصاد معولم، وفي ظل عالم مرقمن أيضا،فإن لهذه السلطة حدود ترتبط بطبيعة الأداة المستخدمة في التعبئة (مواقع التواصل الاجتماعي) وطبيعة النسيج الاقتصادي.

فإذا كان من السهل نس بيا تعبئة المستهلكين عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث يظل الفاعل فردا لا تربطه بالأخرين سوى رغبة أو نفور من هدف ما فإن المستهلكين كأفراد، جمعتهم الشبكة العنكبوتية، يظلون فاقدين لصوت يعبر عنهم في حوار أو مفاوضة. ولعل إطلالة على نهاية حملة مقاطعة ما خصوصا تلك المرتبطة بتحقيق أهداف سريعة،  تدل على أنه من الصعب تحديد مدى تحقق الهدف وكذا الخطوة المقبلة سواء تصعيدا أو تهدئة في مواجهة شركة أو مجموعة أو موقف أخلاقي أو سياسي.

كما أن استمرار تواجد حالات شبه احتكار في كثير من المجالات وحتى في الدول ذات الاقتصاد الليبرالي يقلص هامش تحرك المستهلك الفرد.

ويبقى أن الرهان على المستهلك في البلدان الديمقراطية رهان على صندوق الأداء إلى جانب صندوق الاقتراع والمفاضلة بين الاثنين كمدخل للتغيير قد يكون مؤشرا على مدى سلامة التمثيل الديمقراطي ونجاعته. وفي البلدان الغنية أو متوسطة الدخل، والتي لا تعرف حياة سياسية ديمقراطية، فإن صندوق الأداء في المتاجر والمحلات أو على تطبيقات الشبكة قد يتحول إلى الفرصة الوحيدة المتاحة للتأثير. أما في البلدان الفقيرة  فإن المواطن يظل غالبا محروما من  التعبير عن اختياره في أي من الصندوقين.