تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أزمة الرقائق الالكترونية

Par
إبراهيم الجملي
..
يرى الكثير من المتتبعين والخبراء أن أزمة الرقائق الإلكترونية طرحت التساؤل مجددا في أكثر من بلد حول مفهوم التبعية الاقتصادية وجدوى ترحيل البنيات الصناعية. وقد تدوم أزمة الرقائق الإلكترونية لفترة أطول بعد الجائحة، وذلك بسبب ارتفاع الطلب وتغير أنماط العمل.

منذ بداية جائحة كورونا في مارس من العام الماضي، تعاقبت الأزمات والرجات الاقتصادية التي همت عددا من القطاعات عبر مختلف أرجاء المعمور، لاسيما نتيجة الارتباك المسجل في معادلة العرض والطلب، والذي تجسد بالخصوص في لأزمة العالمية المتعلقة بنقص الرقائق الإلكترونية أو أشباه الموصلات، المكونات الصغيرة جدا والتي ترهن أهم الصناعات عبر العالم من صناعة السيارات، والأجهزة الإلكترونية، والمنزلية إلى صناعة الطائرات.

لقد أضحى توفر الشريحة الإلكترونية صغيرة الحجم التي تصنع في العادة من مادة السيليكون، ولا يتجاوز ثمنها المرجعي في السوق العالمية الدولار الواحد، بدوره رهينا بتقلبات السوق العالمية المترتبة عن تأثير الأزمة الوبائية، وأيضا الحرب التجارية، والاحتكار بل والتقلبات المناخية.

إنها عوامل من بين أخرى جعلت سوق أشباه الموصلات تعرف خصاصا غير مسبوق وارتفاعا مهولا في الأسعار.

العالم يرفع الراية البيضاء

ففي خضم جائحة "كوفيد 19"، شهدت هذه الرقائق التي تتمثل وظيفتها في تسجيل ونقل البيانات، إقبالا كبيرا من طرف شركات تصنيع الهواتف الذكية، والألعاب الإلكترونية، والحواسيب، والأجهزة المنزلية، لاسيما خلال فترة الحجر الصحي واعتماد نمط العمل عن بعد في كثير من الدول. فقد أثر هذا الواقع الجديد سلبا على قطاع صناعة السيارات الذي يحتاج بدوره هذه المكونات الإلكترونية.

 كما شكلت الحرب التجارية التي دارت رحاها بين الولايات المتحدة والصين بقوة، خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، أحد العوامل الأخرى التي أدت إلى اختفاء هذه " البضاعة "من السوق، لاسيما في ظل استحواذ الشركات الصينية الكبرى من قبيل "هواوي" على القسط الأكبر من الإنتاج. ينضاف إلى ذلك الخصاص الحاصل أيضا في المعادن النادرة التي تستعمل في تصنيع هذه الرقائق.

وكان إنتاج السيارات أول القطاعات المتضررة جراء نقص الرقائق الإلكترونية في ضوء استحواذ مصنعي الأجهزة الإلكترونية على الحصة السوقية الأكبر، حيث أدى ذلك إلى تباطؤ الإنتاج أو حتى توقفه لدى عدد من الشركات الكبرى، لاسيما بكل من فرنسا والولايات المتحدة واليابان.

وفي ظل هذا الوضع غير المسبوق، أعلن عدد من المصنعين الكبار من قبيل شركة "إنتل" الأمريكية، عن نيتهم مضاعفة الإنتاج، وتحويل قسط من الاستثمارات التي كانت في العادة توجه إلى ميدان البحث والتطوير لتعزيز سلسلة إنتاج أشباه الموصلات، علما أن عددا من الشركات المصنعة أساءت تقدير الظرفية التي نتجت عن وباء كورونا، حيث ساد الاعتقاد بأن الزبائن سيقلصون من مشتريات الأجهزة الإلكترونية خلال فترة الإغلاق الشامل، لكن العكس هو الذي حصل بتحفيز من منصات التجارة الإلكترونية. 

أزمة الرقائق الإلكترونية .. كيف تؤثر على العالم؟ 

وفي أوروبا التي كانت تعتمد بشكل كبير على استيراد هذه المكونات الإلكترونية التي يصنع منها نحو تريليون شريحة كل سنة، بدأ التفكير في تعزيز الإنتاج المحلي وتوطين عدد من فروع الإنتاج التي يوجد أغلبها في آسيا. وهو ما جاء على لسان عدد من مسيري شركات الصناعة الإلكترونية الأوروبية، الذين عبروا عن نيتهم تغيير الإستراتيجيات الصناعية القائمة على ترحيل بعض الخدمات واستيراد المكونات الأولية من الخارج.

أما في الولايات المتحدة، فقد وجهت مجموعة من مصنعي السيارات الأمريكيين، على رأسها شركة "جنرال موتورز"، نداء للرئيس جو بايدن، يدعونه من خلاله إلى تخصيص تمويل نوعي يمكن من إنشاء وحدات جديدة لإنتاج الرقائق الإلكترونية، معتبرين أن هذا الإجراء يكتسي أهمية جوهرية في الحفاظ على حيوية القطاع وقدرته على الصمود.

وقد طرحت أزمة الرقائق الإلكترونية في أكثر من بلد، التساؤل مجددا حول مفهوم التبعية الاقتصادية وجدوى ترحيل البنيات الصناعية، وما يشكله من خطر على البلدان الصناعية الكبرى، لاسيما في أوروبا.