«مقاهي الإنترنت» تلفظ أنفاسها الأخيرة

Par
حكيم النادي
>>
انتهى زمن "مقاهي الإنترنت" أو يكاد، وباتت جزء من ماض قريب. فقد أمست عادة التردد على هذه المقاهي بهدف تجزية وقت في التصفح إحدى ممارسات حياة ولت أوتوارت خلف مشهد جديد قوامه الشاشة الفردية.

كان من المستحيل التجول في شارع بمدن المملكة دون أن تستوقفك مقاهي الإنترنت كفضاءات تحظى بشعبية كبيرة. فقد انتشرت على نحو لافت في الحواضر وحتى في القرى مع بداية القرن الواحد والعشرين، لتصبح هذه المقاهي اليوم أثراً بعد عين وذكريات لأجيال داهمها الربط المتواصل بالشبكة العنكبوتية في كل الفضاءات.

ونتيجة للتقدم التكنولوجي الهائل والانتشار الواسع لتكنولوجيا الإنترنت، باتت هذه المقاهي من " تراث" العالم الرقمي واندثرت في معظم المدن بعد أن شجعت شبكة الألياف البصرية وتقنية "الجيل الرابع" المستخدمين على الإبحار في الإنترنت من أي مكان، والاستغناء عن التوجه إلى هذه المقاهي التي شكلت لفترة ليست بالطويلة نقط ولوج إلى الشبكة.فقد حلت محلها شاشات الهواتف الذكية التي أصبحت من "ضروريات" الحياة بفضل ما توفره للمستخدم من خدمات عديدة في جهاز واحد.

نهاية حقبة جميلة

سنة 2001، سجلت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات أكثر من ألفي طلب لإحداث مقاهي أنترنت، وهو رقم يفوق بكثير عدد هذه المقاهي حاليا والذي لا يتجاوز مائة مقهى مازالت تقاوم من أجل البقاء.

يتذكر خالد، وهو تقني معلوميات في الثلاثينيات من عمره، بحنين عندما كان يذهب مع أصدقائه إلى أقرب مقهى إنترنت بعد الخروج من المدرسة وخلال أوقات الفراغ، مضيفا أنه " كلما قمنا بتشغيل الحاسوب، نكتشف عالما افتراضيا لأول مرة... نتعلم فيه كيفية التعامل بالبريد الإلكتروني والدردشة مع أشخاص حول العالم وتصفح المواقع لمعرفة ما يحيط بي".

وقال، وهو يتحدث لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن نشاطه المفضل كان هو البحث عن كلمات الأغاني بواسطة محركات البحث وتخزينها في أقراص، معتبرا أن مقاهي الإنترنت كانت فضاءات تساهم بشكل كبير في تعليم المعلوميات للشباب وتوجيههم نحوها كتخصص بعد البكالوريا.

من جانبه، يقول عادل، الذي فتح مقهى انترنت سنة 2006 في حي شعبي بالقنيطرة، إن مداخيله كانت تبلغ ثمان مائة درهما في اليوم خلال ذلك "العصر الذهبي"، موضحا أن التلاميذ الذين يبحثون عن الدروس الالكترونية لتوسيع معارفهم وخبراتهم كانوا يشكلون الغالبية العظمى من رواد هذه المقاهي.

في ذلك الوقت كانت مقاهي الأنترنت تظل مفتوحة على مدار اليوم إلى درجة أن الزبناء كانوا يسجلون أسماءهم على لوائح انتظار. كما أن بعض الزبناء كانوا يقضون 12 ساعة متواصلة أمام شاشة الحاسوب.

ويرى عادل أن "أعماله" بدأت في التراجع مع "دمقرطة" الهواتف الذكية، مشيرا إلى أنه مع بداية عام 2010 "لم يعد أحد يشكك في قرب اختفاء هذا القطاع".

مقاهي الإنترنت.. نهاية مرحلة

وسط هذا التنوع في استخدام الإنترنت عبر شرائح الهواتف أو تكنولوجيا الألياف البصرية، تناقص عدد مرتادي مقاهي الإنترنت مقارنة بفترة سابقة. منذ سنة 2002، قامت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات بالكشف عن العديد من العوائق التي واجهها أصحاب هذه المقاهي. فحسب تقرير سنوي سابق للوكالة، "دفعت المنافسة الشرسة بين أصحاب مقاهي الإنترنت إلى تخفيض أسعار الربط بالانترنت إلى مستويات لا تترك هامشا كبيرا للربح".

وفي هذا الاتجاه، يعلل المهندس في مجال المعلوميات، رضى موفاتيح، تناقص عدد مرتادي مقاهي الإنترنت وابتعاد المستثمرين عن القطاع، باشتداد المنافسة وتضاعف عروض الاشتراك في الانترنت، مشيرا إلى أن غزو الهواتف الذكية للأسواق والاشتراكات الهاتفية وباقة من الخدمات والتطبيقات، ساهمت في تقليص جاذبية عرض تلك المقاهي. 

وحسب المهندس، فإن هذا الواقع الجديد دفع المستهلك إلى التوجه نحو تلك العروض، والتخلي عن مقاهي الإنترنت، التي أصبحت تعاني أيضا من تبعات بعض الهواجس المتعلقة بالخصوصية والجريمة الرقمية والتجسس.

بعضها أفلست وأخرى تقاوم

رغم أن الكثير من أصحاب مقاهي الإنترنت يتكبدون خسائر فادحة إلى حد اضطر بعضهم إلى التخلي عنها، لجأت بعض المقاهي التي ما زالت مفتوحة إلى ابتكار أساليب وخدمات كانت ثانوية في الماضي، لتصبح اليوم أساسية مثل خدمات الفاكس والطباعة وبيع المعدات الرقمية وإصلاح الأجهزة المعلوماتية.

وخلال زيارة إحدى مقاهي الانترنت بحي حسان بالرباط، كان هناك زبونان اثنان يتصفحان الأنترنيت على حاسوبين من أصل ثمانية، متواجدة بهذا المقهى.

ويؤكد صاحب المقهى أن الإنترنت لم يعد يمثل أساس أنشطة مقهى الانترنت، ف "أغلبية زبنائنا من التلاميذ والموظفين الذين يأتون هنا لطباعة وثائق أو شراء معدات تكنولوجيا المعلومات".

غير أن بروز العمل عن بعد وانتشار ثقافة العمل الحر في الآونة الأخيرة، قد يعيدان لهذا النوع من المقاهي بريقه. كما يمكن لأصحاب مقاهي الإنترنت الاستفادة من زخم الرياضات الالكترونية والألعاب الرقمية، مع بذل جهود لإعادة تكييف الفضاءات وتجديد التجهيزات من أجل استقطاب شرائح جديدة من الزبناء الباحثين عن المعرفة والمتعة.